ابن كثير
348
البداية والنهاية
المصري ، كان فاضلا بارعا عارفا بالمذهب ، متحريا في الاحكام كأبيه ، ودفن بالقرافة . الشيخ إبراهيم بن سعيد الشاغوري الموله المعروف بالجيعانة ، كان مشهورا بدمشق ، ويذكر له أحوال ومكاشفات على ألسنة العوام ومن لا يعقل ، ولم يكن ممن يحافظ على الصلوات ولا يصوم مع الناس ، ومع هذا كان كثير من العوام وغيرهم يعتقدونه . توفي يوم الأحد سابع جمادى الأولى ودفن بتربة المولهين بسفح قاسيون عند الشيخ يوسف القيميني ، وقد توفي الشيخ يوسف قبله بمدة ، وكان الشيخ يوسف يسكن إقمين حمام نور الدين الشهيد بالبزوريين ، وكان يجلس على النجاسات والقذر ، وكان يلبس ثيابا بداوية تجحف على النجاسات في الأزقة ، وكان له قبول من الناس ومحبة وطاعة ، وكان العوام يغالون في محبته واعتقاده ، وكان لا يصلي ولا يتقي نجاسة ، ومن جاءه زائرا جلس عند باب الاقمين على النجاسة ، وكان العوام يذكرون له مكاشفات وكرامات ، وكل ذلك خرافات من خرافات العوام وأهل الهديان كما يعتقدون ذلك في غيره من المجانين والمولهين . ولما مات الشيخ يوسف القميني خرج خلق في جنازته من العوام وغيرهم ، وكانت جنازته حافلة بهم ، وجمل على أعناق الرجال إلى سفح قاسيون ، وبين يديه غوغاء وغوش كثير وتهليل وأمور لا تجوز من فعل العوام ، حتى جاؤوا به إلى تربة المولهين بقاسيون فدفنوه بها ، وقد اعتنى بعض العوام بقبره فعمل عليه حجارة منقوشة وعمل على قبره سقفا مقرنصا بالدهان وأنواعه ، وعمل عليه مقصورة وأبوابا ، وغالى فيه مغالاة زائدة ، ومكث هو وجماعة مجاورون عنده مدة في قراءة وتهليل ، ويطبخ لهم الطبيخ فيأكلون ويشربون هناك . والمقصود أن الشيخ إبراهيم الجيعانة لما مات الشيخ يوسف الاقميني جاء من الشاغور إلى باب الصغير في جماعة من أتباعه ، وهم في صراخ وضجة وغوش كثير ، وهم يقولون : أذن لنا في دخول البلد أذن لنا في دخول البلد ، يكررون ذلك ، فقيل له في ذلك فقال : لي عشرون سنة ما دخلت داخل سور دمشق ، لأني كنت كلما أتيت بابا من أبوابها أجد هذا السبع رابضا بالباب فلا أستطيع الدخول خوفا منه ، فلما مات أذن لنا في الدخول ، وهذا كله ترويج على الطغام والعوام من الهمج الرعاع ، الذين هم أتباع كل ناعق . وقيل إن الشيخ يوسف كان يرسل إلى الجيعانة مما يأتيه من الفتوح والله سبحانه أعلم بأحوال العباد ، وإليه المنقلب والمآب ، وعليه الحساب . وقد ذكرنا أنه استشهد في وقعة حمص جماعة من الامراء منهم الأمير عز الدين أزدمر السلحداري عن نحو من ستين سنة ، وكان من خيار الامراء وله همة عالية ينبغي أن ينال بها مكانا عاليا في الجنة .